محمد بن جرير الطبري
75
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قالت : إذ قد استحلفتني ، فإني أشهد أنك بريء ، وأنك رسول الله ، فخر ساجدا يبكي ، فأوحى الله إليه تبارك وتعالى : ما يبكيك ؟ قد سلطناك على الأرض ، فمرها بما شئت ، فقال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ما شاء الله ، فقالوا : يا موسى ، يا موسى فقال : خذيهم ، فأخذتهم إلى ما شاء الله ، فقالوا : يا موسى ، يا موسى فخسفتهم . قال : وأصاب بني إسرائيل بعد ذلك شدة وجوع شديد ، فأتوا موسى ، فقالوا : ادع لنا ربك ؛ قال : فدعا لهم ، فأوحى الله إليه : يا موسى ، أتكلمني في قوم قد أظلم ما بيني وبينهم خطاياهم ، وقد دعوك فلم تجبهم ، أما إياي لو دعوا لأجبتهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ قال : قيل للأرض خذيهم ، فأخذتهم إلى أعقابهم ؛ ثم قيل لها : خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم ؛ ثم قيل لها : خذيهم ، فأخذتهم إلى أحقائهم ؛ ثم قيل لها : خذيهم ، فأخذتهم إلى أعناقهم ؛ ثم قيل لها : خذيهم ، فخسف بهم ، فذلك قوله : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا علي بن هاشم بن البريد ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى قال : كان ابن عمه ، وكان موسى يقضي في ناحية بني إسرائيل ، وقارون في ناحية ، قال : فدعا بغية كانت في بني إسرائيل ، فجعل لها جعلا على أن ترمي موسى بنفسها ، فتركته إذا كان يوم تجتمع فيه بنو إسرائيل إلى موسى ، أتاه قارون فقال : يا موسى ما حد من سرق ؟ قال : أن تنقطع يده ، قال : وإن كنت أنت ؟ قال : نعم ؛ قال . فما حد من زنى ؟ قال : أن يرجم ، قال : وإن كنت أنت ؟ قال : نعم ؛ قال : فإنك قد فعلت ، قال : ويلك بمن ؟ قال : بفلانة فدعاها موسى ، فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة ، أصدق قارون ؟ قالت : اللهم إذ نشدتني ، فإني أشهد أنك برئ ، وأنك رسول الله ، وأن عدو الله قارون جعل لي جعلا على أن أرميك بنفسي ؛ قال : فوثب موسى ، فخر ساجدا لله ، فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك ، فقد أمرت الأرض أن تطيعك ، فقال موسى : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم حتى بلغوا الحقو ، قال : يا موسى ؛ قال : خذيهم ، فأخذتهم حتى بلغوا الصدور ، قال : يا موسى ، قال : خذيهم ، قال : فذهبوا . قال : فأوحى الله إليه يا موسى : استغاث بك فلم تغثه ، أما لو استغاث بي لأجبته ولأغثته . حدثنا بشر بن هلال الصواف ، قال : ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، قال : ثنا علي بن زيد بن جدعان ، قال : خرج عبد الله بن الحرث من الدار ، ودخل المقصورة ؛ فلما خرج منها ، جلس وتساند عليها ، وجلسنا إليه ، فذكر سليمان بن داود قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ثم سكت عن ذكر سليمان ، فقال إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وكان قد أوتي من الكنوز ما ذكر الله في كتابه ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ، قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي قال : وعادى موسى ، وكان مؤذيا له ، وكان موسى يصفح عنه ويعفو ، للقرابة ، حتى بنى دارا ، وجعل باب داره من ذهب ، وضرب على جدرانه صفائح الذهب ، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون ، فيطعمهم الطعام ، ويحدثونه ويضحكونه ، فلم تدعه شقوته والبلاء ، حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مشهورة بالخنا ، مشهورة بالسب ، فأرسل إليها فجاءته ،